بناء الانسان قبل بناء الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -24-2-2019
بناء الإنسان قبل بناء الأوطان هو مطلب إنساني وايضا مطلب قرآني بدأ النبي الأكرم (ص) بتربية الروح والعقل بدأ ببناء الإنسان، بهدم الأصنام بتحرير العقول من الاوهام ومن الجاهلية ومن العبودية من التخلف لا يكتمل بناء الوطن الا بالعمل على بناء الإنسان وتطوير الكفاءة.
بناء الإنسان هو المهمة الأكثر مشقة واللبنة الأساسية فى بناء الأوطان والحضارات، ومثلما هو الوسيلة للإنتاج والإبداع، فإنه الغاية أيضا من أجل أن يكون الإنسان أكثر إحساسا بالسعادة والأمان، ولذلك فإن بناء الإنسان والوطن مهمة متداخلة تجمع بين الفرد والمجتمع
يعرف المختصون التربية بأنها عملية يُقصد بها تنمية وتطوير قدرات ومهارات الأفراد من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة , كما وأنها عملية بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم , أو التأقلم والتكيف مع البيئة التي يعيشون بها . ويجمع المختصون على أن التربية لا تقتصر على الأفراد وحسب, إنما لا بد وأن تشمل الفرد والمجتمع سواء بسواء . لذلك تعتبر التربية من أهم العوامل التي تزيد من تماسك وتقوية أي مؤسسة أو كيان كبر هذا الكيان أم صغر. بل وتعتبر القوة الأساسية التي بها نستطيع تحقيق أعلى معدلات إنجاز نطمح إلي تحقيقها في مختلف مجالات حياتنا . ولقد أثبتت الأيام أن أية قوة تهمل مبدأ التربية فإنها تهمل تحقيق معدلات الإنجاز التي تستهدف تحقيقها .وبالتالي فهي تحكم على نفسها بالفناء
يوم أن اتصلت السماء بالأرض عن طريق جبريل الأمين الذي نزل بالوحي المبين على قلب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , نجد أن هذا الدين الجديد بدأ بمنهج عظيم , وأفراد قلائل , وقائد يتلقى عن ربه . كان القائد - صلى الله عليه وسلم - يجيد فن التربية أيما إجادة , كما كان يُتقن فن بناء الإنسان وتطويره وتنمية قدراته , واستغلال طاقاته أيما استغلال , فظل- صلى الله عليه وسلم - يتعهد هؤلاء الرجال بالتربية , والتعليم , والتدريب , وتطوير الذات . ظل يربيهم , وينميهم , يرعى قدراتهم , ويطور مهارتهم دونما فصلٍ بين العلم والعمل ، أو تفريقٍ بين الفكر والممارسة .
لقد ركز- صلى الله عليه وسلم – مع صحابته الأخيار على مبدأ التربية - في صبر وأناة دونما تضجر أو تأفف - حتى صلبت أعواد الرجال , وتشربت روح المنهج. وقبلها لم يفكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في القفز صوب الأهداف الكبرى إلا بعدما بلغت التربية - بشعابها المختلفة - مبلغها في النفوس , وبعدما تغلغل الفهم العميق لهذا المنهج العظيم قلوب الرجال , وبعدما فهم كل فرد منهم دوره في هذه الحياة , وبعدما برزت الأهداف أمامهم في وضوح وبساطة (عبر عن هذا الفهم ربعي بن عامر في حديثه مع رستم عظيم الفرس بقوله "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".)
بعدها خرج هؤلاء المغاوير يواجهون قوى الباطل المحلية والعالمية شيئا فشيئا , يروضونها تارة , ويهذبونها تارة , ويقومونها تارة , ويستوعبونها تارة , ويسحقونها تارة أخرى حتى دانت لهم الأرض في فترة زمنية قصيرة , وسعد بهم الزمان والمكان , حتى الطير الحيوان , والشجر والحجر , وقبل كل أولئك الإنسان في كل مكان .
ظل المسلمون ينتقلون من نجاح إلى نجاح , ومن نصر إلى نصر إلى أن حل اليوم الذي تخلوا فيه فعليا - وليس نظريا - عن مبدأ التربية . ونتج عن ذلك أن ماعت شخصيتنا , وانعدمت هويتنا , و أصبحنا نتخبط في مشاكل لا حصر لها . والحقيقة التي يجب إبرازها في هذا الصدد هي أن كثيراً من مشاكل أمتنا الإسلامية لم تستفحل, ولم تتنامى, ولم تتشعب , ولم تستعص على الضماد إلا يوم أن فرطنا وتخلينا عن أحصن حصنٍ يمكن للأمة أن تحتمي به وفيه , ألا وهو حصن التربية ؛ ويوم أن وأدنا مبدأ التربية في مدارسنا , ومعاهدنا , وجامعاتنا , ومساجدنا , وبيوتنا , ووسائل إعلامنا ؛ ويوم أن أصبحت التربية شعاراً منمقاً ورايةً جوفاء في بلادنا المسلمين . عندها أصبحنا في ذيل القافلة باقتدار , بينما الركب يسير , والقوم يتقدمون , ولن نلحق بهم ما لم نعاود اعتماد التربية الإسلامية المتكاملة مبدأ عاما عمليا ونظريا في حياتنا بمختلف تشعيباتها
الإنسان هو المحرك والدينمو والفاعل، وهو رأس الرمح الذي يصنع التغيير ويحرك الأحداث، سواء في طريق واتجاه الخير، أو في طريق واتجاه الشر. لذلك فان البداية الصحيحة لأي بناء حضاري لن تتحقق إلا من خلال العمل والاستثمار في بناء الإنسان الخيِّر، المعزز بالقيم الخلّاقة والنّبيلة، ليكون عاملا فاعلا خيرا في البناء الحضاري الإنساني الشامل، والقائم على أساس التّعرف على الآخر، والتّعارف مع الحضارات الأخرى، والتدافع معها بالتي هي أحسن، والتسابق معها على طريق الخير والسلام والتقوى ومكارم الأخلاق، من اجل أن يسود الأمن والسلام والعدل هذا العالم الذي نعيش فيه جميعا.
إن الهدف من السعي إلى بناء الإنسان الكفء والمؤهل، والذي يحمل في شخصيته عناصر الإيمان والوعي والأخلاق، هو التأسيس لحضارة إنسانية ترتقي بالإنسان وتحفظ له كرامته، لان الهدف النهائي من هذا السباق الحضاري يجب أن يكون هو الإنسان ذاته، فإذا كان البناء يبدأ بالإنسان، ويتواصل بالإنسان، فإنه من المهم أن ينتهي به، ويصب لصالحه وخيره ومصلحته، ويسجل في حسابه، وليس على حسابه، وعلى حساب كرامته وقيمه وقيمته، والتي دائما ما تتعرض للتجاوز والإباحة والانتهاك.
لذلك فإن البذرة الأولى لتشكيل وصياغة مشروع إنسان متكامل، تبدأ من خلال تعميق وترسيخ القيم والمبادئ الإنسانية والحضارية في ذات الفرد، والتي تحل بدلا عن تلك القيم البالية، وطرد ما هو متهالك منها، مع إفساح المجال للإنسان الفرد بالانخراط ضمن الأطر التي تأخذ على عاتقها تعميم وتعليم واحترام ونشر ثقافة التعدد والتنوع وتشجيع أجواء الانفتاح والتسامح.
بناء الإنسان قبل بناء الوطن ؛ هذا منطق إنساني وأخلاقي عادل ، بل هو سياسي واجتماعي واقتصادي . قل هو نفسي في مقامه الأول ، وكلما طابت النفوس واخضرّت كثر عطاؤها وزاد واستكانت الى السلام وأبدعت . فالوطن لا يُبنى على أوهام وشعارات ولافتات ، ولا يبنى على صراعات صغيرة وكبيرة ، فالحال من الأحوال ، والأحوال كلما ازدادت شدا وجذباً انتكست ، وكلما انفتحت على الحياة بصدق وإخلاص نمت كالأزهار والأشجار في حديقة الوطن.
الوطن لا يبنى بتبليط الأرصفة وترقيع الشوارع وإنشاء العمارات وتزيين الحدائق وارتداء البدلات الصينية والايطالية ، ما لم يكن بناء الإنسان هدفاً أساسياً في المنظومة الحكومية عبر تكريس روح المواطنة والدفع باتجاه تخليق حالة نفسية جديدة .
لا يبنى الوطن على الأكاذيب والعوز النفسي والبطالة وتسيب الحالة الأمنية والصراعات المستترة والعلنية .لا يبنى بتحطيم المادي والمعنوي للانسان و لا يبنى على أفكار متطرفة تهدف الى تكريس التعصب والفتنه، ولا يبنى على الفساد المالي والإداري والاغتيالات وكواتم الأنفاس .
لا يبني العراق إلا الإنسان العراقي الذي تجذرت به روح المواطنة وان يسعى الى البناء الحقيقي الفذ لانتشال الوطن من محنته الطويلة ، كما هو مطلوب من بلاد ثرية تنام على كنوز من الثراء .
وبالتالي اهتمامنا بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات ..ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه .. وغير قادر على الاستمرار إن روح كل ذلك الإنسان. الإنسان القادر بفكره ،القادر بفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المنشآت والتقدم بها والنمو معها ."ومن هنا أعود فأقول إن بناء ألوطن لن يتم بألشكل ألمطلوب قبل أن نقوم وبجهود حقيقية في بناء ألإنسان، فهل تتفقون معي؟...
الصين بنى السور ونسي بناء الانسان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان؛ بنوا سور الصين العظيم .. واعتقدوا بأنه لايوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن ..! خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات ! وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه ..! بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب. لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس .. !
فبناء الإنسان .. يأتي قبل بناء كل شيء وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم ..
* يقول أحد المستشرقين: إذا أردت أن تهدم حضارة أمه فهناك وسائل ثلاث هي:
1 . اهدم الأسرة ...2 .اهدم التعليم....3 .اسقط القدوات والعلماء
*لكي تهدم اﻷسرة:عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها تخجل من وصفها ب"ربة بيت"
*ولكي تهدم التعليم: عليك ب(المعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه.
*ولكي تسقط القدوات: عليك ب (العلماء) اطعن فيهم قلل من شأنهم، شكك فيهم حتى لايسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد.
فإذا اختفت (اﻷم الواعية) واختفى (المعلم المخلص) وسقطت (القدوة والمرجعية)
فمن يربي النشئ على القيم؟!!
التجربة اليابانية
ـــــــــــــــــــــــ خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية وأقل ما يمكن أن توصف به بأنها دولة محطمة . غير أن القادة اليابانيين لم يبكوا كثيرا على اللبن المسكوب . فلقد شرعوا في وضع الخطط , والبرامج , والمسارات التي عليها سيسير الإنسان الياباني صوب النهوض من كبوته . وكان من أبرز هذه المسارات التي عمد إليها القادة اليابانيون هو اللجوء إلى مسار التربية . إذ يجمع المراقبون على أن سر نهضة الشعب الياباني - التي هي مضرب الأمثال اليوم - تعود إلى اعتناق القادة اليابانيين مبدأ التربية وعدم إغفاله في إعادة بناء الإنسان الياباني.
لقد وصلت اليابان إلى هذا المستوى الرفيع من التقدم والرقي والازدهار بسبب اهتمام قادتها بتدريس مادة تسمى بالتربية الأخلاقية ( Moral Education ) , والتربية الأخلاقية مادة تدرس في جميع مراحل التعليم بدءا من المرحبة الابتدائية إلى مرحلة الجامعة نظرياً وعمليا ً. وهي تهدف إلى تربية الإنسان الياباني ذاتيا على عدة مفاهيم أهمها : -
1. الإخلاص والانضباط والدقة والتفاني عند قيامه بأي عمل من الأعمال .
2. الاعتدال في كل أمر من أمور الحياة .
3. الحرص , والتعاون ,و الشجاعة في مواجهة الحياة .
4. الفهم العميق لمفهوم الحرية .
5. السعي الدءوب إلى تطوير الذات بصفة دائمة ومستمرة .
6. حب البحث والاطلاع والقراءة من أجل السعي إلى الوصول إلى الحقيقة .
7. احترام قيم العمل , وحبه , وتقديره , والتفاني فيه .
8. الشعور العميق بالمسئولية الجماعية , وان كل فرد في المجتمع – وكما له حقوق – فإن عليه واجبات تجاه مجتمعه لابد أن يقدمها حتى قبل حقوقه وواجباته تجاه نفسه .
9. الإسهام بكل قوة في بناء وتطوير المجتمع الذي يتواجد فيه الفرد (بدءاً من الفصل مروراً بالشارع إلى الحي وصولاً إلى الأمة اليابانية ) .
10. احترام القواعد العامة والقوانين المنظمة لشئون المجتمع واحترام كل من يتفانى من اجل إسعاد أعضاء هذا المجتمع ( المعلمين – الآباء – الأمهات – رجال الشرطة – عمال النظافة ...الخ )
11. حب الوطن واحترام عاداته وتقاليده والتفاني في خدمته والمحافظة على أملاكه العامة والخاصة .
12. احترام ثقافة الآخر والتفاني في خدمته .
13. السعي لتعزيز مفهوم الصداقة بين شعوب العالم .
إن مشروع التربية الأخلاقية في اليابان منظومة متكاملة تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع المعنية بجدية وحزم , وهو يكاد يشبه المشروع القومي للدولة , فهي تتبنى المشروع بكل قوة , وتوفر له كل الإمكانات المادية والعينية . لذلك قد لا نجد غرابة فيما قاله وزير التعليم الياباني عندما سئل ذات يوم عن سر التقدم والتفوق الذي أحرزته اليابان في شتى مناحي الحياة , فأجاب بصوت تملأه نبرات الفخر والاعتزاز:
(السر يرجع إلى تربيتنا الأخلاقية )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -24-2-2019
بناء الإنسان قبل بناء الأوطان هو مطلب إنساني وايضا مطلب قرآني بدأ النبي الأكرم (ص) بتربية الروح والعقل بدأ ببناء الإنسان، بهدم الأصنام بتحرير العقول من الاوهام ومن الجاهلية ومن العبودية من التخلف لا يكتمل بناء الوطن الا بالعمل على بناء الإنسان وتطوير الكفاءة.
بناء الإنسان هو المهمة الأكثر مشقة واللبنة الأساسية فى بناء الأوطان والحضارات، ومثلما هو الوسيلة للإنتاج والإبداع، فإنه الغاية أيضا من أجل أن يكون الإنسان أكثر إحساسا بالسعادة والأمان، ولذلك فإن بناء الإنسان والوطن مهمة متداخلة تجمع بين الفرد والمجتمع
يعرف المختصون التربية بأنها عملية يُقصد بها تنمية وتطوير قدرات ومهارات الأفراد من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة , كما وأنها عملية بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم , أو التأقلم والتكيف مع البيئة التي يعيشون بها . ويجمع المختصون على أن التربية لا تقتصر على الأفراد وحسب, إنما لا بد وأن تشمل الفرد والمجتمع سواء بسواء . لذلك تعتبر التربية من أهم العوامل التي تزيد من تماسك وتقوية أي مؤسسة أو كيان كبر هذا الكيان أم صغر. بل وتعتبر القوة الأساسية التي بها نستطيع تحقيق أعلى معدلات إنجاز نطمح إلي تحقيقها في مختلف مجالات حياتنا . ولقد أثبتت الأيام أن أية قوة تهمل مبدأ التربية فإنها تهمل تحقيق معدلات الإنجاز التي تستهدف تحقيقها .وبالتالي فهي تحكم على نفسها بالفناء
يوم أن اتصلت السماء بالأرض عن طريق جبريل الأمين الذي نزل بالوحي المبين على قلب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , نجد أن هذا الدين الجديد بدأ بمنهج عظيم , وأفراد قلائل , وقائد يتلقى عن ربه . كان القائد - صلى الله عليه وسلم - يجيد فن التربية أيما إجادة , كما كان يُتقن فن بناء الإنسان وتطويره وتنمية قدراته , واستغلال طاقاته أيما استغلال , فظل- صلى الله عليه وسلم - يتعهد هؤلاء الرجال بالتربية , والتعليم , والتدريب , وتطوير الذات . ظل يربيهم , وينميهم , يرعى قدراتهم , ويطور مهارتهم دونما فصلٍ بين العلم والعمل ، أو تفريقٍ بين الفكر والممارسة .
لقد ركز- صلى الله عليه وسلم – مع صحابته الأخيار على مبدأ التربية - في صبر وأناة دونما تضجر أو تأفف - حتى صلبت أعواد الرجال , وتشربت روح المنهج. وقبلها لم يفكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في القفز صوب الأهداف الكبرى إلا بعدما بلغت التربية - بشعابها المختلفة - مبلغها في النفوس , وبعدما تغلغل الفهم العميق لهذا المنهج العظيم قلوب الرجال , وبعدما فهم كل فرد منهم دوره في هذه الحياة , وبعدما برزت الأهداف أمامهم في وضوح وبساطة (عبر عن هذا الفهم ربعي بن عامر في حديثه مع رستم عظيم الفرس بقوله "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".)
بعدها خرج هؤلاء المغاوير يواجهون قوى الباطل المحلية والعالمية شيئا فشيئا , يروضونها تارة , ويهذبونها تارة , ويقومونها تارة , ويستوعبونها تارة , ويسحقونها تارة أخرى حتى دانت لهم الأرض في فترة زمنية قصيرة , وسعد بهم الزمان والمكان , حتى الطير الحيوان , والشجر والحجر , وقبل كل أولئك الإنسان في كل مكان .
ظل المسلمون ينتقلون من نجاح إلى نجاح , ومن نصر إلى نصر إلى أن حل اليوم الذي تخلوا فيه فعليا - وليس نظريا - عن مبدأ التربية . ونتج عن ذلك أن ماعت شخصيتنا , وانعدمت هويتنا , و أصبحنا نتخبط في مشاكل لا حصر لها . والحقيقة التي يجب إبرازها في هذا الصدد هي أن كثيراً من مشاكل أمتنا الإسلامية لم تستفحل, ولم تتنامى, ولم تتشعب , ولم تستعص على الضماد إلا يوم أن فرطنا وتخلينا عن أحصن حصنٍ يمكن للأمة أن تحتمي به وفيه , ألا وهو حصن التربية ؛ ويوم أن وأدنا مبدأ التربية في مدارسنا , ومعاهدنا , وجامعاتنا , ومساجدنا , وبيوتنا , ووسائل إعلامنا ؛ ويوم أن أصبحت التربية شعاراً منمقاً ورايةً جوفاء في بلادنا المسلمين . عندها أصبحنا في ذيل القافلة باقتدار , بينما الركب يسير , والقوم يتقدمون , ولن نلحق بهم ما لم نعاود اعتماد التربية الإسلامية المتكاملة مبدأ عاما عمليا ونظريا في حياتنا بمختلف تشعيباتها
الإنسان هو المحرك والدينمو والفاعل، وهو رأس الرمح الذي يصنع التغيير ويحرك الأحداث، سواء في طريق واتجاه الخير، أو في طريق واتجاه الشر. لذلك فان البداية الصحيحة لأي بناء حضاري لن تتحقق إلا من خلال العمل والاستثمار في بناء الإنسان الخيِّر، المعزز بالقيم الخلّاقة والنّبيلة، ليكون عاملا فاعلا خيرا في البناء الحضاري الإنساني الشامل، والقائم على أساس التّعرف على الآخر، والتّعارف مع الحضارات الأخرى، والتدافع معها بالتي هي أحسن، والتسابق معها على طريق الخير والسلام والتقوى ومكارم الأخلاق، من اجل أن يسود الأمن والسلام والعدل هذا العالم الذي نعيش فيه جميعا.
إن الهدف من السعي إلى بناء الإنسان الكفء والمؤهل، والذي يحمل في شخصيته عناصر الإيمان والوعي والأخلاق، هو التأسيس لحضارة إنسانية ترتقي بالإنسان وتحفظ له كرامته، لان الهدف النهائي من هذا السباق الحضاري يجب أن يكون هو الإنسان ذاته، فإذا كان البناء يبدأ بالإنسان، ويتواصل بالإنسان، فإنه من المهم أن ينتهي به، ويصب لصالحه وخيره ومصلحته، ويسجل في حسابه، وليس على حسابه، وعلى حساب كرامته وقيمه وقيمته، والتي دائما ما تتعرض للتجاوز والإباحة والانتهاك.
لذلك فإن البذرة الأولى لتشكيل وصياغة مشروع إنسان متكامل، تبدأ من خلال تعميق وترسيخ القيم والمبادئ الإنسانية والحضارية في ذات الفرد، والتي تحل بدلا عن تلك القيم البالية، وطرد ما هو متهالك منها، مع إفساح المجال للإنسان الفرد بالانخراط ضمن الأطر التي تأخذ على عاتقها تعميم وتعليم واحترام ونشر ثقافة التعدد والتنوع وتشجيع أجواء الانفتاح والتسامح.
بناء الإنسان قبل بناء الوطن ؛ هذا منطق إنساني وأخلاقي عادل ، بل هو سياسي واجتماعي واقتصادي . قل هو نفسي في مقامه الأول ، وكلما طابت النفوس واخضرّت كثر عطاؤها وزاد واستكانت الى السلام وأبدعت . فالوطن لا يُبنى على أوهام وشعارات ولافتات ، ولا يبنى على صراعات صغيرة وكبيرة ، فالحال من الأحوال ، والأحوال كلما ازدادت شدا وجذباً انتكست ، وكلما انفتحت على الحياة بصدق وإخلاص نمت كالأزهار والأشجار في حديقة الوطن.
الوطن لا يبنى بتبليط الأرصفة وترقيع الشوارع وإنشاء العمارات وتزيين الحدائق وارتداء البدلات الصينية والايطالية ، ما لم يكن بناء الإنسان هدفاً أساسياً في المنظومة الحكومية عبر تكريس روح المواطنة والدفع باتجاه تخليق حالة نفسية جديدة .
لا يبنى الوطن على الأكاذيب والعوز النفسي والبطالة وتسيب الحالة الأمنية والصراعات المستترة والعلنية .لا يبنى بتحطيم المادي والمعنوي للانسان و لا يبنى على أفكار متطرفة تهدف الى تكريس التعصب والفتنه، ولا يبنى على الفساد المالي والإداري والاغتيالات وكواتم الأنفاس .
لا يبني العراق إلا الإنسان العراقي الذي تجذرت به روح المواطنة وان يسعى الى البناء الحقيقي الفذ لانتشال الوطن من محنته الطويلة ، كما هو مطلوب من بلاد ثرية تنام على كنوز من الثراء .
وبالتالي اهتمامنا بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات ..ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه .. وغير قادر على الاستمرار إن روح كل ذلك الإنسان. الإنسان القادر بفكره ،القادر بفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المنشآت والتقدم بها والنمو معها ."ومن هنا أعود فأقول إن بناء ألوطن لن يتم بألشكل ألمطلوب قبل أن نقوم وبجهود حقيقية في بناء ألإنسان، فهل تتفقون معي؟...
الصين بنى السور ونسي بناء الانسان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان؛ بنوا سور الصين العظيم .. واعتقدوا بأنه لايوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن ..! خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات ! وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه ..! بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب. لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس .. !
فبناء الإنسان .. يأتي قبل بناء كل شيء وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم ..
* يقول أحد المستشرقين: إذا أردت أن تهدم حضارة أمه فهناك وسائل ثلاث هي:
1 . اهدم الأسرة ...2 .اهدم التعليم....3 .اسقط القدوات والعلماء
*لكي تهدم اﻷسرة:عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها تخجل من وصفها ب"ربة بيت"
*ولكي تهدم التعليم: عليك ب(المعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه.
*ولكي تسقط القدوات: عليك ب (العلماء) اطعن فيهم قلل من شأنهم، شكك فيهم حتى لايسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد.
فإذا اختفت (اﻷم الواعية) واختفى (المعلم المخلص) وسقطت (القدوة والمرجعية)
فمن يربي النشئ على القيم؟!!
التجربة اليابانية
ـــــــــــــــــــــــ خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية وأقل ما يمكن أن توصف به بأنها دولة محطمة . غير أن القادة اليابانيين لم يبكوا كثيرا على اللبن المسكوب . فلقد شرعوا في وضع الخطط , والبرامج , والمسارات التي عليها سيسير الإنسان الياباني صوب النهوض من كبوته . وكان من أبرز هذه المسارات التي عمد إليها القادة اليابانيون هو اللجوء إلى مسار التربية . إذ يجمع المراقبون على أن سر نهضة الشعب الياباني - التي هي مضرب الأمثال اليوم - تعود إلى اعتناق القادة اليابانيين مبدأ التربية وعدم إغفاله في إعادة بناء الإنسان الياباني.
لقد وصلت اليابان إلى هذا المستوى الرفيع من التقدم والرقي والازدهار بسبب اهتمام قادتها بتدريس مادة تسمى بالتربية الأخلاقية ( Moral Education ) , والتربية الأخلاقية مادة تدرس في جميع مراحل التعليم بدءا من المرحبة الابتدائية إلى مرحلة الجامعة نظرياً وعمليا ً. وهي تهدف إلى تربية الإنسان الياباني ذاتيا على عدة مفاهيم أهمها : -
1. الإخلاص والانضباط والدقة والتفاني عند قيامه بأي عمل من الأعمال .
2. الاعتدال في كل أمر من أمور الحياة .
3. الحرص , والتعاون ,و الشجاعة في مواجهة الحياة .
4. الفهم العميق لمفهوم الحرية .
5. السعي الدءوب إلى تطوير الذات بصفة دائمة ومستمرة .
6. حب البحث والاطلاع والقراءة من أجل السعي إلى الوصول إلى الحقيقة .
7. احترام قيم العمل , وحبه , وتقديره , والتفاني فيه .
8. الشعور العميق بالمسئولية الجماعية , وان كل فرد في المجتمع – وكما له حقوق – فإن عليه واجبات تجاه مجتمعه لابد أن يقدمها حتى قبل حقوقه وواجباته تجاه نفسه .
9. الإسهام بكل قوة في بناء وتطوير المجتمع الذي يتواجد فيه الفرد (بدءاً من الفصل مروراً بالشارع إلى الحي وصولاً إلى الأمة اليابانية ) .
10. احترام القواعد العامة والقوانين المنظمة لشئون المجتمع واحترام كل من يتفانى من اجل إسعاد أعضاء هذا المجتمع ( المعلمين – الآباء – الأمهات – رجال الشرطة – عمال النظافة ...الخ )
11. حب الوطن واحترام عاداته وتقاليده والتفاني في خدمته والمحافظة على أملاكه العامة والخاصة .
12. احترام ثقافة الآخر والتفاني في خدمته .
13. السعي لتعزيز مفهوم الصداقة بين شعوب العالم .
إن مشروع التربية الأخلاقية في اليابان منظومة متكاملة تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع المعنية بجدية وحزم , وهو يكاد يشبه المشروع القومي للدولة , فهي تتبنى المشروع بكل قوة , وتوفر له كل الإمكانات المادية والعينية . لذلك قد لا نجد غرابة فيما قاله وزير التعليم الياباني عندما سئل ذات يوم عن سر التقدم والتفوق الذي أحرزته اليابان في شتى مناحي الحياة , فأجاب بصوت تملأه نبرات الفخر والاعتزاز:
(السر يرجع إلى تربيتنا الأخلاقية )

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق